دخول

الجمل في المنطق للخونجي: متنٌ مكثّف يختصر الصناعة المنطقية في عدة صفحات

ف فريق التحرير 07/11/2026 مدة القراءة: 5 د
الكتاب: الجمل في المنطق — تأليف أفضل الدين محمد بن ناماور الخونجي (ت 646هـ)

خلاصة كتاب الجمل في المنطق · أفضل الدين محمد بن ناماور الخونجي (ت 646هـ)

(الجمل في المنطق) متنٌ صغير جدًا لا يتجاوز عدة صفحات، وضعه أفضل الدين الخونجي، أحد أعلام المنطق في القرن السابع الهجري، «لجمع من أكابر العلماء وأعيان الفضلاء» كما يقول في مقدمته، ليضبط به «قواعد المنطق وأحكامه». ولا يشرح المتن شيئًا ولا يضرب أمثلة؛ هو سلسلة من التعريفات والتقسيمات المتلاحقة تُبنى كل جملة فيها على ما قبلها، حتى إن الفقرة الواحدة قد تحمل ما تفرد له الشروح صفحات. وهو مرتب على المسار المعتاد للصناعة المنطقية: من الألفاظ إلى المفردات، فالتعريفات، فالقضايا، فالقياس بنوعيه.

أولًا: الألفاظ والكليات
يفتتح بتقسيم دلالة اللفظ على المعنى إلى مطابقة (على تمام ما وُضع له) وتضمّن (على جزئه) والتزام (على لازمه)، ويشترط في اللزوم أن يكون ذهنيًا لا خارجيًا، لأن الفهم ينتقل من اللفظ إلى لازمه الذهني ولا يتوقف على وجوده في الخارج. ثم يقسّم اللفظ إلى مركب ومفرد، والمفرد إلى مشترك ومنفرد، وباعتبار المسمّى إلى علم ومتواطئ ومشكّك، وباعتبار الدلالة على الزمان إلى اسم وفعل وأداة، ويذكر المترادف والمتباين.
ثم ينتقل إلى الكلي والجزئي، ويفصّل الكليات الخمس: النوع (تمام ماهية أفراده)، والجنس (جزء الماهية المشترك الذي يُحمل في جواب «ما هو»)، والفصل (جزؤها المميِّز)، والخاصة والعرض العام (وهما خارجان عن الماهية). ويفرّع على الخارج اللازم والمفارق، واللازم للوجود أو للماهية، وما يُعلم لزومه بوسط أو بغير وسط. ويبيّن مراتب الجنس (عالٍ وسافل ومتوسط ومفرد) ومراتب النوع الإضافي حتى «نوع الأنواع».

ثانيًا: التعريف
المعرِّف عنده ما كانت معرفته سببًا في معرفة الشيء، بشروط: أن يكون غيره، وسابقًا عليه في المعرفة، وأجلى منه، ومساويًا له في العموم. وأقسامه أربعة: الرسم الناقص (بالخاصة وحدها)، والرسم التام (بالخاصة والجنس)، والحد الناقص (بالفصل وحده أو مع الجنس البعيد)، والحد التام (بجميع الذاتيات، فيحيط بكنه الحقيقة). ويقرر أن الخلل في كل قسم ينشأ من فقدان بعض شروطه، وأن الخلل في اللفظ أن لا يكون ظاهر الدلالة بالنسبة إلى السامع.

ثالثًا: القضايا وأحكامها
يقسّم اللفظ المركب بحسب قصده الأول إلى أمر وسؤال والتماس (بحسب الاستعلاء والخضوع والتساوي)، وتنبيه، وخبر، والخبر هو «القضية». والقضية إما حملية (طرفاها مفردان: موضوع ومحمول) وإما شرطية (طرفاها قضيتان). وتكون محصّلة أو معدولة بحسب طرفيها، ثلاثية إن صُرّح بالرابطة وثنائية إن لم يُصرَّح. ويقرر أحكام التناقض والتعاند بين القضايا بحسب الاتفاق والاختلاف في الكيف والعدول والتحصيل.
ويفصّل المحصورات بحسب السور: كلية موجبة (كل)، وكلية سالبة (لا شيء، لا واحد)، وجزئية موجبة (بعض، واحد)، وجزئية سالبة (ليس بعض، بعض ليس، ليس كل)، مع التنبيه على الفرق الدلالي بين صيغ السلب. ثم المخصوصة (موضوعها معيَّن)، والمهملة (بلا سور، وهي في قوة الجزئية)، والمنحرفة (السور فيها مقترن بالمحمول).

رابعًا: الجهات والموجَّهات
يخصص قسمًا كثيف الاصطلاح لكيفية النسبة بين الطرفين (المادة والجهة). فالضرورية أنواع: مطلقة (ما دامت ذات الموضوع موجودة)، ومشروطة عامة (ما دام الوصف)، ومشروطة خاصة، ووقتية، ومنتشرة. والدائمة أنواع: دائمة مطلقة، وعرفية عامة، وعرفية خاصة. ثم الإمكان بدرجاته (العام والخاص والأخص والاستقبالي)، ثم المطلقة العامة والوجودية اللادائمة واللاضرورية. وهو في هذا الباب ينقل اختلاف المناطقة بعبارات مثل «فهم منها قوم» و«بعضهم قيّده»، فيحفظ أقوال المدارس دون ترجيح مفصّل.

خامسًا: التناقض والعكس
التناقض عنده اختلاف قضيتين بالإيجاب والسلب بحيث يقتضي لذاته صدق إحداهما وكذب الأخرى. ونقيض البسيطة ما خالفها في الكيف والجهة مع الاتفاق في الطرفين والزمان، ونقيض المركبة «المفهوم المردد بين نقائض الأجزاء». ثم العكس بنوعيه: المستوي (تبديل الطرفين) وعكس النقيض (تبديلهما بنقيضيهما)، مع بقاء الصدق. وتنعكس الموجبة جزئية في المستوي، ويُبرهن على العكس بالخلف أو بالافتراض.

سادسًا: القياس الاقتراني الحملي
القياس «قول مؤلف من قضايا مستلزم بالذات لقول آخر»، وهو استثنائي إن اشتمل على النتيجة أو نقيضها بالفعل، واقتراني في غير ذلك. وللاقتراني ثلاثة حدود: الأصغر (موضوع المطلوب)، والأكبر (محموله)، والأوسط (المشترك بين المقدمتين). وبحسب موقع الأوسط تكون الأشكال الأربعة: الأول هو «النظم الكامل»، والثاني يوافقه في الصغرى، والثالث يكون الأوسط فيه موضوعًا في المقدمتين، والرابع أبعدها عن الكامل. ثم يذكر ضوابط الإنتاج، ويفصّل «الاختلاطات» (المقدمات الموجَّهة) وما يُعتبر فيها من شروط، وكيف تتبع النتيجة الجهة، ويبيّن طرق إثبات الأشكال غير الكاملة بردّها إلى الأول: بالعكس، أو الخلف، أو الافتراض. ويُستدل على العقم باختلاف النتيجة في المواد.

سابعًا: الشرطيات والقياس الشرطي
الشرطية متصلة (لزومية أو اتفاقية) أو منفصلة (حقيقية، أو مانعة جمع، أو مانعة خلو)، ولكل منها أسوارها (كلما، مهما، متى، دائمًا، ليس البتة) وأحكام صدقها وكذبها وما تستلزمه من قضايا أخرى. ثم يعدّد القياسات الاقترانية الشرطية في خمسة أقسام بحسب تركيب المقدمتين (متصلتين، أو منفصلتين، أو متصلة ومنفصلة، أو حملية ومتصلة، أو حملية ومنفصلة) ويضع ضابط الإنتاج في كل قسم ونوع النتيجة.
ويختم بالقياس الاستثنائي: في المتصلة ينتج وضعُ المقدّم وضعَ التالي، ورفعُ التالي رفعَ المقدّم، ولا عكس لاحتمال كون التالي أعم. وفي المنفصلة الحقيقية ينتج وضع كل جزء رفع الآخر وبالعكس، وفي مانعة الجمع ينتج الوضع الرفع دون العكس، وفي مانعة الخلو العكس.

أسلوب المتن ومنهجه
يعتمد الكتاب الاختصار الشديد: لا أمثلة، ولا تعليل مفصّل، ولا مناقشة. والعبارة مشدودة تعتمد على الضمائر المحذوفة والإحالة على ما سبق، فلا يُفهم بعضها إلا بمعرفة سابقة بالاصطلاح. وسمته أنه يحفظ خلاف المدارس بجملة «وعلى رأي» دون بسط. وتنبغي الإشارة إلى أن نسخة المكتبة الشاملة «مرقّمة آليًا غير موافقة للمطبوع»، وفيها أخطاء نسخ ظاهرة، فلا يُعتمد عليها في التحقيق.

مستوى الكتاب وفئة قرّائه
مستوى الكتاب: متن متقدم شديد التركيز، على طريقة المناطقة المتأخرين التي تتوسع في الموجَّهات والشرطيات. وقيمته في اتساع مادته مقارنة بحجمه: فهو يضع بين يدي القارئ خريطة كاملة للمنطق في أربع صفحات. أما حدوده فواضحة: ليس كتابًا للتعلّم الأول، لأنه لا يشرح ولا يمثّل ولا يعرض الأدلة، ولا يُستفاد منه كثيرًا دون شرح أو معلّم.
من يُفترض به قراءته: طلبة المنطق المتقدمون الذين أنهوا مدخلًا تمهيديًا وأرادوا مراجعة المنظومة كلها بسرعة أو حفظ مجملها؛ والمدرّسون الذين يحتاجون هيكلًا مضغوطًا لتدريس المنطق؛ والباحثون في تاريخ المنطق والفلسفة الإسلامية؛ ودارسو أصول الفقه وعلم الكلام الذين يحتاجون إلى أدوات المنطق الشائعة فيهما. أما المبتدئ فالأولى أن يبدأ بمتن تمهيدي مبسّط ثم يعود إلى هذا المتن بعد أن تستقر عنده المصطلحات.

شارك برأيك