سحر الحرف وسلطان الورق: عرض لكتاب “تاريخ القراءة” لألبرتو مانغويل

مقدمة: في البدء كانت القراءة
ليست القراءة مجرد فاعلية ميكانيكية تُفكّ بها الشفرات والرموز لتستحيل إلى كلمات ذات معنى، بل هي الفعالية الإنسانية الأشد غموضاً وعمقاً في صياغة الوعي البشري. في كتابه العمدة «تاريخ القراءة» (A History of Reading)، الصادر عام 1996، يُطلّ علينا الكاتب والأديب الكندي الأرجنتيني ألبرتو مانغويل (Alberto Manguel) ليقدّم مشروعاً استثنائياً يتجاوز المؤرخ التقليدي؛ إذ لا يكتب تاريخاً كرونولوجياً جامداً يكتفي بتتبع ظهور الأبجديات وتطور المطابع، بل يؤرخ لرحلة الروح الإنسانية في مواجهة النص المكتوب.
ينطلق مانغويل من أطروحة مركزية مفادها أن الكائن البشري هو «حيوان قارئ»؛ يتفكك العالم أمامه كصفحات تحتاج إلى تأويل وتفسير. إن هذا العمل الضخم لا يكتفي بمنحنا تسلسلاً حيوياً لتطور وسائط الكتابة والقراءة عبر ستة آلاف عام، بل يجبرنا على التساؤل: ماذا يحدث في عقولنا وقلوبنا حين ينقلب الحبر المطبوع على الورق إلى فكرة، ومن ثم إلى حياة؟
المؤلف (ألبرتو مانغويل)
ألبرتو مانغويل (مولود في بوينس آيرس عام 1948) هو ناقد، ومترجم، ومحرر، وروائي، وأحد أبرز «عشّاق الكتب» (Bibliophiles) في العصر الحديث. نشأ بين الأرجنتين ودول عدة بحكم عمل والده سفكاً دبلومسياً، مما منحه لساناً متعدداً وثقافة عابرة للقارات.
ولعل النقظة المفصلية التي تشكلت فيها ذائقة مانغويل القرائية وتجلت في ثنايا هذا الكتاب، تتمثل في التجربة الإنسانية والأدبية الاستثنائية التي عاشها في مراهقته؛ حيث عمل قارئاً شخصياً للكاتب الأرجنتيني الضرير الكهير خورخي لويس بورخيس بين عامي 1964 و1968. كان مانغويل يزور بورخيس في شقته ببوينس آيرس ليقرأ له أمهات الكتب الأدبية والفلسفية. هذه الخبرة المبكرة، التي جعلت من عينَي مانغويل نافذة يبصر من خلالها بورخيس العالم المكتوب، تركت أثراً لا يُمحى في نظرته لفعل القراءة بوصفه مشاركة روحية وجسدية تبادلية.
تقلد مانغويل مناصب أدبية وفكرية رفيعة، من بينها إدارة المكتبة الوطنية في الأرجنتين (وهو المنصب ذاته الذي شغله بورخيس سابقاً)، وحاز العديد من الجوائز العالمية. ويُعرف عنه امتلاكه لمكتبة ضخمة تضم عشرات الآلاف من المجلدات والكتب النادرة.
موضوع الكتاب وأطروحته الأساسية
يندرج كتاب «تاريخ القراءة» تحت تصنيف الأدب والمقالات التاريخية والفلسفية. وهو يسعى لخلق جنس أدبي ورؤية استكشافية يمكن أن تُسمى «علم القراءة».
يركز الموضوع الأساسي للكتاب على فعل القراءة نفسه من منظور القارئ وليس الكاتب؛ فالكاتب يضع النص، لكن القارئ هو من يبعث فيه الحياة ويمنحه تأويلاته المتجددة. يطوف مانغويل في العصور العتيقة والوسطى والحديثة، ليرصد كيف أثرت التغيرات الفيزيائية (شكل الكتاب، الحجم، الورق، أدوات القراءة) والتغيرات الاجتماعية والنفسية (القراءة الصامتة مقابل القراءة الجهرية، رقابة السلطة، مكتبات السلاطين، والقراءة الشفهية للشعوب) في صياغة مفهوم «القارئ».
إن أطروحة الكتاب تتلخص في أن تاريخ القراءة ليس مجرد تجميع للوثائق والمخطوطات، بل هو سيرة حب شغوفة وعلاقة حميمية بين الإنسان والكلمة؛ سيرة تتناول الجسد القارئ، العقل القارئ، والمجتمع القارئ.
العرض البنائي وفصول الكتاب
يتوزع الكتاب على قسمين رئيسيين يضمان عدداً من الفصول المقالية المحبوكة بعناية، يمتزج فيها السرد التاريخي بالذكريات الشخصية والتحليل الأدبي والفلسفي.
1. القسم الأول: فعل القراءة (Acts of Reading)
يركز هذا القسم على الجوانب الذاتية والسلوكية والإدراكية لفعل القراءة:
• القراءات الأولى (The Last Page / Initial Readings): يستعيد مانغويل لحظة اكتشافه الطفولي لفك شفرة الحروف، وكيف تحولت الطلاسم المكتوبة فجأة إلى أصوات ومعانٍ تفتح عوالم لا حد لها.
• القراء الصامتون (Silent Readers): يتناول أحد أكثر الفصول إثارة، حيث يتتبع التحول التاريخي من القراءة الجهرية (التي كانت السائدة في العصور القديمة) إلى القراءة الصامتة. يقف عند تجربة القديس أوغسطينوس وهو يراقب بألم وعجب أستاذه القديس أمبروز وهو يقرأ دون أن يصدر صوت حركة لسانه، وهو ما كان يُعدّ سلوكاً غريباً ومدهشاً في زمنه.
• ذاكرة القراءة (Memory of Reading): يتحدث عن كيفية حفظ النصوص وتخزينها في الذاكرة البشرية قبل الشيوع التام للمطبوعات، وكيف كانت القراءة تُرسخ المعرفة كعلامات وسوم داخل النفس.
• القراءة للآخرين (Being Read To): يستعرض تاريخ القراءة الجهرية في المحافل الاجتماعية والمصانع؛ مثل تقليد قراءة الأدب والمجلات للعمال في مصانع التبغ في الكوبا خلال القرن التاسع عشر، مروراً بتجربته الشخصية مع الكاتب خورخي لويس بورخيس.
• تعلم القراءة (Learning to Read): يرصد مناهج التعليم القديمة، واللوحات الطينية في سومر، وكيف تعلمت المجتمعات البشرية الأولى الربط بين الرمز والمعنى.
2. القسم الثاني: سلطان القارئ (The Reader’s Power)
ينتقل مانغويل في هذا القسم إلى البُعد السلطوي، والتكنولوجي، والاجتماعي للكتب والقراء:
• شكل الكتاب (The Shape of the Book): يتناول التطور المادي للوعاء المكتوب؛ من اللوح الطيني الثقيل إلى درج البردي (Scroll)، ثم الانتقال التاريخي الكبير إلى الدفتر أو المجلد الجلدية/الورقية (Codex)، وصولاً إلى ظهور كتاب الجيب وتأثير ذلك على سهولة حمل المعرفة وقراءتها في السفر والاستلقاء.
• القراءة داخل الجسد (Reading Within the Body): يدرس الأثر الفسيولوجي والنفسي للقراءة، وكيف تتفاعل الحواس والنظارات الطبية والأوضاع الجسدية (الجلسات، السرير، المكتب) مع عملية استيعاب النص.
• القراءة التنبؤية والتأويل (Reading the Future): يتعرض لاستخدام الكتب والمقاطع الشعريّة كأدوات للتنبؤ بالمستقبل (مثل استشارة أشعار فيرجيل أو المصاحف والكتب المقدسة عبر القرعة).
• سرقة الكتب والمحظورات (Stealing Books / Forbidden Reading): يسلط الضوء على هوس اقتناء الكتب وسرقتها، وعلى محاولات السلطات السياسية والدينية عبر التاريخ ممارسة الرقابة، وحرق الكتب، ومنع فئات معينة (كالمستعبدين أو النساء في بعض العصور) من تعلم القراءة خوفاً من تحرر عقولهم.
النقد والتقييم أدبياً وفكرياً (ما امتدح به وما انتقد فيه):
حظي كتاب «تاريخ القراءة» بإشادة عالمية واسعة وضعت مؤلفه في مصاف كبار الكتاب المفكرين، غير أنه لم يسلم من بعض الملاحظات النقدية من قِبل المؤرخين والمتخصصين.
1. ما امتدح به الكتاب:
• الأسلوب الجمالي والسرد الشغوف:
أشاد الناقد الأدبي الأمريكي جورج ستاينر (George Steiner) بالطريقة التي مزج بها مانغويل بين الاستقصاء التاريخي والدقة الأكاديمية وبين الشغف الشديد بالكتب، مؤكداً أن الكتاب يتجاوز حدود السرد التاريخي الجاف ليصبح «رسالة حب طويلة ومكتوبة ببراعة للكلمة المطبوعة». كما وصفت صحيفة «النيويورك تايمز» (The New York Times) الكتاب بأنه «موسوعة حميمية تجمع بين التبحر الفكري والبهجة الاستثنائية التي لا يستشعرها إلا عاشق حقيقي للمكتبات».
• الابتكار النوعي (تأسيس أدب القراءة):
كتبت صحيفة «الشرق الأوسط» أن ألبرتو مانغويل أحدث نوعاً أدبياً جديداً يمكن تسميته «علم القراءة» دون أن يعي أنه يبتكر هذا الجنس الأدبي، إذ جعل القارئ هو البطل المحوري للتاريخ الإنساني بدلاً من النص أو المؤلف.
• الثراء المرجعي والتنوع الحضاري:
امتدح العديد من النقاد كثرة الاستشهادات والشخصيات التاريخية التي استحضرها مانغويل في كتابه؛ فهو يتنقل بين أرسطو، والقديس أوغسطينوس، وابن الهيثم، وأوليفيا ساكس، وريلكه، مما يعكس سعة اطلاعه وتجاوزه للتحيز الغربي الضيق في بعض المواضع.
2. ما انتقد فيه الكتاب (المآخذ والنقد)
• الاستطراد الذاتي وغياب التسلسل الزمني الصارم:
يعيب بعض المؤرخين الأكاديميين على مانغويل تعمده التخلي عن الترتيب الكرونولوجي الصارم. وفي هذا السياق، أشار الناقد والمؤرخ الثقافي روبرت دارنتون (Robert Darnton) (أحد أبرز المتخصصين في تاريخ الكتاب) إلى أن مانغويل يكتب «تاريخاً انطباعياً وتأملياً» أكثر من كونه تاريخاً مؤسسياً وشاملاً للكتاب؛ حيث يعتمد على القفز الانتقائي بين العصور بناءً على تداعي الأفكار والذكريات الشخصية.
• المركزية الذاتية والإسهاب في تاريخه الشخصي:
انتقد بعض القراء والناقدين -كما يظهر في بعض المراجعات الأدبية على منصة Goodreads وبوابات نقدية أخرى- كون الكتاب يبتعد أحياناً عن عنوانه الرنان «تاريخ القراءة» ليغرق في «تاريخ مانغويل مع القراءة». وذكر بعضهم أن الإسهاب في تفاصيل تاريخ الكنيسة وممارسات القديسين الوسطية قد يسبّب رتابة أو سآمة للقارئ الذي يبحث عن تأريخ تقني أو اجتماعي محدد لتطور أدوات القراءة.
• التحيز الانطباعي ونقص الشمول:
يُلاحظ على الكتاب اغفاله المتعمد لبعض التحولات الاجتماعية المعقدة لسواد الناس غير المنتمين للطبقة النخبوية في الشرق أو أفريقيا، واقتصاره في أجزاء واسعة منه على النخبة الثقافية والمجتمعات الغربية أو المتوسطية.
الفئة المستهدفة والتي يناسبها الكتاب
على الرغم من حجم الكتاب الحافل بالتفاصيل والاطلاع المرجعي الضخم، إلا أنه يُعدّ عملاً ممتعاً للغاية متى ما وُضع في يد القارئ المناسب:
1. عشاق الكتب والمكتبات: كل من يجد في اقتناء الكتب والمكوث بين الرفوف شغفاً ولذة يجد في هذا الكتاب مرآة صادقة لروحه وتجربته.
2. الباحثون وطلاب الأدب والتاريخ الثقافي: يمنح الكتاب خلفية معرفية ممتازة لمن يدرسون تطور الوسائط الثقافية، ونشأة الكتابة، وتاريخ الأفكار والتلقي الأدبي.
3. الكتّاب والمترجمون والنقاد: يفتح الكتاب أمامهم آفاقاً واسعة لمفهوم «تلقي النص»، وكيف يساهم القارئ في صناعة معنى المعرفة وإعادة إنتاجها.
4. المفكرون والمهتمون بفلسفة المعرفة: يناسب من يبحثون عن فهم البُعد الإنساني والنفسي والتاريخي للرموز وكيف تشكل أدوات المعرفة الوعي البشري عبر العصور.
تنبيه: قد لا يناسب الكتاب المبتدئين في القراءة أو أولئك الذين يبحثون عن ملخصات سريعة وموجزة؛ فهو يحتاج إلى صبر وتأمل ومحبة للغة السردية المقالية الاستطرادية.