حين يصرخ التاريخ في وجه اليقين: قراءة في كتاب (قلت لكم ذلك!) تأليف مات كابلان

تُصور لنا المناهج الدراسية والأفلام الوثائقية التقليدية مسيرة العلم كخط مستقيم وناصع البياض؛ سلسلة مرتبة من التجارب المنطقية التي تقودنا حثيثاً من جهل مظلم إلى نور الحقيقة. في هذه الحكاية المثالية، يُفترض أن المجتمع العلمي يترقب بقلوب خافقة وصدور رحبة كل فكرة جديدة، وحين يتقدم باحثٌ بفرضية ثورية مدعومة بالأدلة، يُستقبل بحفاوة وتُفرش له أرض المعرفة بالورود.
لكن الواقع، العفن والساحر في آن واحد، يعاكس هذه الصورة تماماً. فخلف كواليس المختبرات المضيئة وقاعات الجامعات العريقة، تدور رحى حروب شرسة من الغرور البشري، والغيرة الأكاديمية، والجمود المؤسسي. هذا الوجه المظلم والمثير في آن معا هو ما يكشف عنه الصحفي العلمي البارز مات كابلان (Matt Kaplan) في كتابه الصادر حديثاً: «قلت لكم ذلك!: علماء تعرضوا للسخرية والنفي والسجن لأنهم كانوا على حق» (I Told You So!: Scientists Who Were Ridiculled, Exiled, and Imprisoned for Being Right).
يمثل هذا الكتاب رحلة ممتعة وعميقة في آن واحد، تأخذ القارئ في قطار سريع يربط بين الماضي الفيكتوري والتوترات المعاصرة لجائحة كورونا، لتعيد كتابة فهمنا لكيفية تقدم المعرفة البشرية، ولاكتشاف أن الحقيقة لا تنتصر وحدها أبداً، بل تحتاج دائماً إلى مجانين شجعان يدفعون أثماناً باهظة لترسيخها.
بين المختبر والمنفى: رحلة عبر التاريخ المعتم للاكتشافات.
يقودنا مات كابلان – الذي أمضى عقدين من الزمن في تغطية الشؤون العلمية لصالح مجلة “ذا إيكونوميست” الشهيرة – بعيداً عن السرديات المدرسية الباردة. فهو لا يكتفي بسرد قصص مكررة مثل قصة جاليليو وتحديه للفلك التقليدي، رغم حضورها الرمزى القوي، بل يغوص أعمق ليجلب إلى النور حكايات منسيّة لرجال ونساء حاربوا طواحين الهواء الأكاديمية.
يتحرك الكتاب ببراعة سردية تشبه الروايات المثيرة، متنقلاً بين عصور مختلفة. فهو يضع قصص العباقرة الأوائل جنباً إلى جنب مع تجارب علماء معاصرين، ليرسم لوحة متكاملة وثابتة عبر الزمن تتمثل في: مقاومة المؤسسات لكل ما يهدد استقرارها المعرفي. فمن العصر الفيكتوري وقصص الاضطهاد الصامت والرفض المبطن، إلى أروقة الأبحاث الطبية الحديثة، يوضح كابلان كيف تتحول الغريزة البشرية في كثير من الأحيان لحماية الوضع الراهن على حساب الحقيقة.
أحد أكثر جوانب الكتاب إضاءة هو ربطه الذكي بين الماضي والحاضر. فعلى سبيل المثال، يخصص كابلان مساحات واسعة لاستعراض الكواليس النفسية والاجتماعية التي رافقت الأبحاث الحيوية الكبرى خلال جائحة كورونا. ومن خلال مقابلات حية ومذهلة أجراها مع باحثين كانوا في قلب المعركة، يكشف الكتاب عن مفارقة صادمة؛ ففي الوقت الذي كانت فيه البشرية تجمع طاقاتها لمواجهة الموت، كان بعض العلماء الشباب وطلبة الدراسات العليا يفضلون الصمت وإخفاء أفكارهم الثورية خوفاً من بطش المشرفين الأكاديميين، أو خشية تدمير مستقبلهم المهني إن هم تجرؤوا على طرح فرضيات تصطدم بالمعتقدات الراسخة لأساتذتهم.
تشريح الخوف الأكاديمي: لماذا يعاقب العلم رواده؟
يطرح كابلان تساؤلاً محورياً ومؤلماً: لماذا يخاف المجتمع العلمي من الجديد إلى هذا الحد؟ والإجابة التي يقدمها المؤلف بعيدة كل البعد عن السطحية؛ فهو لا يلقي اللوم فقط على الأفراد، بل يفكك المنظومة الهيكلية للعلم الحديث.
1. الإغو والتراتبية القاتلة:
العلم مجتمع بشري، وبالتالي فهو مصاب بكل أمراض المجتمعات البشرية من غرور، ورغبة في الزعامة، وحراسة للنفود. حين يقدم باحث شاب أو مستقل فكرة تهدم عمراً من الأبحاث التي قضاها أستاذ مخضرم لترسيخها، فإن رد الفعل الأول غالباً لا يكون موضوعياً، بل دفاعياً شرساً. إنها معركة بقاء وهيبة وليست معركة أدلة.
2. التمويل وجحيم أقران التقييم:
يخصص الكتاب نقداً لاذعاً لآليات تمويل الأبحاث العلمية ونظام مراجعة الأقران الحالي. فالمؤسسات المانحة للمنح المالية تميل بطبيعتها إلى تمويل المشاريع الآمنة والمضمونة التي تكرس المألوف، وتتجنب بحذر شديد الأفكار المجنونة أو غير التقليدية. النتيجة؟ يتم خنق الابتكار الحقيقي في مهدد، ويضطر العلماء للسباحة في التيار السائد لضمان لقمة العيش واستمرار مختبراتهم.
3. التحيز والتهميش المنهجي:
لا يفوت كابلان تسليط الضوء على الأبعاد الاجتماعية للظلم العلمي؛ فالنساء والأقليات والباحثون المستقلون خارج النخب الأكاديمية التقليدية دائمًا ما دفعوا ثمناً أضعافاً لمجرد محاولتهم إيصال أصواتهم. قصة حصول الكاتبة والباحثة “كاتالين كاريكو” على جائزة نوبل في الطب لاحقاً عن أبحاثها الرائدة في تقنية اللقاحات الجينية (mRNA) تُقرأ في الكتاب بوصفها “أعظم انتقام بارد” يمكن أن تناله عالمة عانت لعقود من السخرية والتهميش ونقص التمويل قبل أن تنقذ أبحاثها ملايين الأرواح.
النقد والصدى النقدي في الأوساط الثقافية العالمية
حظي كتاب «قلت لكم ذلك!» بموجبة واسعة من الاهتمام النقدي في كبرى الصحف والمجلات الثقافية العالمية منذ صدوره في مطلع عام 2026. فقد وصفته مجلة «Publishers Weekly» بأنه كتاب منير وشديد الأهمية ويمثل نداءً ملحاً لإحداث التغيير. بينما أثنت صحيفة «Kirkus Reviews» على قدرة الكاتب في تقديم مرافعة بليغة لإصلاح سياسات تمويل البحوث العلمية وتقليص التحيزات المتجذرة في لجان التحكيم.
على منصات القراءة مثل “جودريدز” (Goodreads) والنوادي الثقافية الكبرى مثل «Next Big Idea Club»، أثار الكتاب نقاشات واسعة. وقد أشاد أسماء لامعة في أدب العلوم الشعبي مثل سيدهارثا موخيرجي (مؤلف كتاب الإمبراطور) وبيل برايسون (مؤلف كتاب الجسم) بالكتاب، مؤكدين أن مات كابلان نجح في خطف انتباه القارئ منذ الصفحة الأولى وجعله ينظر إلى المؤسسة العلمية بعين تفقدية نقدية لن تفارقها أبداً.
لكن وسط موجة الإشادة، أشارت بعض الأصوات النقدية – مثل مراجعة دورية نُشرت في مجلة New Humanist أو ملاحظات بعض القراء – إلى أن الكتاب أحياناً يفرط في التنقل السريع والقفز بين القصص التاريخية والحكايات الشخصية لرحلة الكاتب كصحفي علمي، مما قد يُشتت انتباه القارئ قليلاً عن الخط الزمني الأساسي. غير أن الغالبية العظمى اتفقت على أن الأسلوب السردي الحيوي يجعل الكتاب يقرأ كأنه رواية مشوقة لا كتاب أبحاث جاف.
لمن هذا الكتاب:
لا يقتصر كتاب مات كابلان على المتخصصين في التاريخ العلمي أو الأكاديميين فحسب، بل يتجاوز ذلك ليخاطب شريحة واسعة من القراء، وتحديدا:
1. الطلاب والباحثون الشباب: لمن هم في مطلع مسيرتهم الأكاديمية؛ إذ يمنحهم درعاً واقياً من الإحباط، ويشرح لهم أن الشك والرفض اللذين قد يواجهونهما ليس بالضرورة دليلاً على خطأ أفكارهم، بل قد يكون دليلاً على أنها سابقة لزمانها.
2. عشاق العلوم العامة (Popular Science): كل من يستمتع بكتب ماري روبتشيك، وبيل برايسون، وسيدهارثا موخيرجي، ويبحث عن قصص حقيقية تمزج بين الدراما الإنسانية والفضول المعرفي.
3. صناع القرار ومديرو المؤسسات البحثية: يمثل الكتاب دليلاً استراتيجياً لا يُقدر بثمن لمن يهمهم إعادة هيكلة منظومة البحث العلمي، وتوفير بيئة تحتضن المخاطرة الفكرية بدلاً من قمعها.
4. المثقفون والمهتمون بفلسفة وفكر العلوم: كل من يريد أن يفهم كيف يتطور العلم في الواقع البشري بعيداً عن مثالياته المدرسية النظيفة.