خلاصة كتاب (افتراءات إنجيل متى) · د. بهاء النحال (2011م) · كتاب مختصر في نحو أربعين صفحة، ضمن المكتبة الشاملة
يقدّم الدكتور بهاء النحال في هذا الكتاب الصغير قراءة نقدية لإنجيل متى من زاوية واحدة: أن كاتبه جاء إلى النص وفي ذهنه نتيجة مسبقة، هي إثبات أن يسوع الناصري هو المسيح المنتظر الذي تنبأ به أنبياء بني إسرائيل، ثم صاغ الأحداث والنصوص لتخدم هذه النتيجة. والكتاب جدلي بطبعه، يكتبه مؤلف مسلم يخاطب القارئ بالأدلة التاريخية والنصية، وهذه الخلاصة تعرض حجّته كما أوردها، مع ملاحظة في الختام عن مواضع الإجماع ومواضع الخلاف.
الأطروحة: إنجيل يعتمد على غيره
يبدأ المؤلف بإحصاء: يحتوي إنجيل متى عنده على نحو 1070 عبارة، منها 606 عبارات مأخوذة من إنجيل مرقس (الذي يضم نحو 660 عبارة)، و128 عبارة من نصوص العهد القديم. ومن هذا يستنتج أن الكاتب لم يتحرَّ الحقائق التاريخية ولم يزر الأماكن، بل اكتفى بالنقل والاقتباس، وأنه حين اقتبس عدّل بالحذف والبتر تارة وبالإضافة تارة أخرى. وللإنصاف يسجّل المؤلف له فضيلة واحدة: أنه لم يدّع قط أن الوحي أملى عليه ما كتب.
أولًا: روايات الميلاد التي انفرد بها متى
مذبحة أطفال بيت لحم. يرى المؤلف أن القصة منسوجة على منوال قصة فرعون ومولد موسى في التوراة، وعلى حكايات الفلكلور اليهودي عن نمرود وإبراهيم. وحجته في إنكارها ثلاث: أن المؤرخين الذين عدّدوا جرائم هيرودس (قتل أبنائه وزوجته وحميّه) لم يذكر أحد منهم مذبحة في بيت لحم، وأن الأناجيل الثلاثة الأخرى خلت من أي تهديد لحياة يسوع في طفولته، وأن هيرودس مات قبل ميلاد المسيح أصلًا.
وهنا يفصّل في التأريخ: يسوق شهادات آباء الكنيسة الأوائل (ترتليان وإيريناوس وأوريجين وكليمنت السكندري ويوسابيوس وغيرهم) الذين اتفقوا تقريبًا على أن الميلاد كان في العام الثاني قبل الميلاد، ويضيف شهادة إنجيل لوقا (بدء الدعوة في السنة الخامسة عشرة من حكم طيباريوس والمسيح في نحو الثلاثين). أما وفاة هيرودس فيحدّدها بالعام الرابع قبل الميلاد اعتمادًا على مؤرخ اليهود يوسيفوس، وعلى خسوف القمر الذي ذكره قبل الوفاة (13 مارس، حسب سجلات ناسا)، وعلى مدد حكم أبنائه الثلاثة وعملاتهم المسكوكة. وبذلك يسبق موتُه الميلادَ بسنتين تقريبًا.
ثم يتناول الدليل الذي ساقه متى نفسه، وهو عبارة من سفر إرميا عن (راحيل تبكي على أولادها). ويقول المؤلف إن النص يصف البكاء على أسرى السبي البابلي قبل الميلاد بنحو ستمائة سنة، ويبشّر بعودتهم، وإن متى اقتطع منه عبارتين وجعلهما نبوءة بقتل أطفال بيت لحم. ويورد أقوال باحثين غربيين (ساندرز وفيرمز وبول ماير) ينفون وقوع المذبحة.
نجم بيت لحم. يعرض رأي الأب ريموند براون أن شيئًا من الظواهر الفلكية المعروفة لا يطابق وصف متى لنجم يظهر في المشرق ثم يتحرك جنوبًا ثم يقف فوق بيت. ويسرد محاولات الفلكيين الربط بين الميلاد وقران الكواكب أو مذنب ظهر عام 5 ق.م وغيرها، ويرى أنها محاولات لم تتفق على شيء. ويقترح أن مصدر الفكرة هو (كوكب يعقوب) الذي ذكره بلعام في سفر العدد.
الذهاب إلى مصر والعودة منها. يستشهد متى بعبارة (من مصر دعوت ابني) من سفر هوشع. والمؤلف يقول إن هوشع يتحدث عن إخراج بني إسرائيل من مصر (وهم (ابن الله) في سفر الخروج)، وإن متى حذف الشطر الأول المتصل بإسرائيل، وجعل عبارة خروج تدل على دخول. ويلاحظ كذلك مفارقة في الرواية: خافت العائلة من أرخيلاوس في اليهودية فاستقرت في الجليل، والجليل كان تحت حكم ابن آخر لهيرودس هو أنتيباس.
ثانيًا: النسب والنبوءات
هل يسوع من نسل داود؟ يقدّم متى سلسلة نسب تنتهي بيوسف النجار، ويقول المؤلف إنها لا تنفع، لأن يوسف ليس أباه البيولوجي حسب رواية متى نفسها. ثم إن مريم عنده من نسل هارون (من سبط لاوي) لا من سبط يهوذا، لأن لوقا يجعلها نسيبة لأليصابات من بنات هارون. ولو افتُرض أنها من نسل داود، فالوعد الإلهي لداود يجري عبر النسل الذكري. ويضيف أن دائرة المعارف اليهودية تعدّ سلسلة النسب مصطنعة، وأن السلسلة تتضمن الملك يكنيا الذي جاء في سفر إرميا أنه لا يجلس أحد من نسله على كرسي داود.
العذراء عند إشعياء. يشرح أن الكلمة العبرية (عَلْمَه) تعني (المرأة الشابة) لا (العذراء)، وأن لفظ (العذراء) جاء من الترجمة السبعينية اليونانية التي اقتبس منها متى رغم أنه يهودي يقرأ العبرية. والنص في سياقه (عام 735 ق.م) بشارة للملك أحاز بأن الحلف الذي يهدده سيزول قبل أن يكبر طفل يولد حينها، وقد تحقق ذلك بعد سنوات قليلة. ويلاحظ أن الطفل سُمّي (عمانوئيل) في النص، بينما يأمر الملاك في متى بتسمية الوليد (يسوع).
نبوءة ميخا. عند اقتباسها حذف متى كلمة (إفراتة) (اسم عشيرة داود)، فصارت النبوءة تدل على أن مجرد الولادة في بيت لحم يجعل المولود وارثًا للعرش.
ثالثًا: صيغة الثالوث في خاتمة الإنجيل
انفرد متى بعبارة التعميد (باسم الآب والابن والروح القدس) (28: 19). ويستدل المؤلف على أنها لاحقة بالنص بثلاثة أدلة: أن سفر أعمال الرسل يذكر التلاميذ (بطرس وفيلبس وبولس) وهم يعمّدون باسم يسوع فقط، وأن يوسابيوس وجاستن مارتير اقتبسا الآية بصيغة مختصرة خالية من الثالوث، وأن عقيدة الثالوث لم تتبلور بعد في القرن الأول بل تكوّنت عبر المجامع (نيقية 325، والقسطنطينية 381، وطليطلة 589). ويورد تعليقًا ساخرًا لفولتير على اللاهوت المسيحي.
رابعًا: حوادث انفرد بها متى
قيامة القديسين (27: 53): يتساءل المؤلف كيف يغفل يوسيفوس وسائر الأناجيل وأعمال الرسل ورسائلهم حدثًا بهذه الضخامة، ولا يذكر متى مصير هؤلاء القديسين بعد ظهورهم.
بطرس والصخرة: لفظ (الكنيسة) لا يرد على لسان المسيح إلا عند متى، وكثير من الباحثين يرون أن الكلمة لم تشع إلا بعد وفاته. ويستغرب أن يخلو إنجيل مرقس، وهو في التراث ترجمان بطرس، من هذه البشارة.
خامسًا: كيف حرّر متى نصوص مرقس؟
هذا أنفع أقسام الكتاب لمن يريد أن يرى المنهج على نصوص محددة. يقسّم المؤلف تصرف متى إلى أنواع:
ما أهمله: عبارات تظهر الجانب البشري أو تُحرج: قول أقربائه إنه مختل، وكونه (النجار)، وغضبه وتنهّده وتعجبه، وشفاء الأعمى على مرحلتين، وسخرية التلاميذ، وعبارة (أما يهمك أننا نهلك).
ما عدّله ليخدم نبوءة: أضاف (ثلاثين من الفضة) إلى خيانة يهوذا ونسبها إلى إرميا وهي في زكريا (11: 12)، وأضاف (الأتان) إلى (الجحش) ليطابق نص زكريا (9: 9). ويقول المؤلف إن الفضة لم تكن متداولة في تلك الفترة، بل كانت العملات برونزية.
ما غيّره في الوعد بالمجيء: استبدل (ملكوت الله) بـ(ابن الإنسان آتيًا في ملكوته)، فصار الوعد مرتبطًا بعودة المسيح في حياة بعض السامعين، ولم يتحقق ذلك.
آية يونان: أضاف تشبيه مكث يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام بمكث المسيح في القبر، والمؤلف يرى أن الشبه ضعيف: يونان لم يمت، والمسيح لم يمكث ثلاث ليال كاملة.
ما نقله بخطئه: وصف هيرودس أنتيباس بـ(الملك) كما فعل مرقس، وهو في الواقع رئيس ربع، ثم وصفه في موضع آخر بلقبه الصحيح.
ما صحّحه: حذف اسم رئيس الكهنة الذي أخطأ فيه مرقس، واستبدل (الجرجسيين) بـ(الجدريين) لقرب الأولى من البحيرة.
ما بالغ فيه: أبدل (كثيرين) بـ(جميع) في الشفاء.
ويضيف أن تدخلًا في النص حدث أيضًا في عصور لاحقة، ويمثّل له بالأب أوريجين الذي حذف اسم (يسوع) من (يسوع باراباس)، وهو ما أعادته الترجمات المنقحة.
الحصيلة
يختم المؤلف بسؤال: لو سلّمنا جدلًا بأن كل هذه النبوءات تخص المسيح، فهل صار ملكًا لليهود أو جلس على عرش جدّه ولو ساعة، وهل حرّر شعبه من الرومان؟ ويجيب بأن حصيلة رسالته، كما في أعمال الرسل، نحو مائة وعشرين مؤمنًا، ثم يختم بالسلام على المسيح (يوم مولده ويوم موته ويوم يبعث حيًّا).
ملاحظة للقارئ
يتميز الكتاب بالاختصار وكثرة الأمثلة النصية التي يمكن للقارئ مراجعتها بنفسه، لكنه كتاب جدلي يُقرأ مع هذا الاعتبار. فبعض ما فيه يوافق ما يقوله كثير من الباحثين النقديين في الغرب، كاعتماد متى على مرقس، وتقدير وفاة هيرودس بالعام الرابع قبل الميلاد، ودلالة كلمة (عَلْمَه) على المرأة الشابة. وبعضه محل خلاف أكبر، مثل الحكم على خاتمة متى بأنها مضافة، وتفسير أسباب تعديلات متى بأنها اختلاق متعمد، إذ يرى مدافعون مسيحيون أن متى يستعمل أسلوب (التحقق) بمعنى الإشارة التمثيلية لا التنبؤ الحرفي، وأن اختلاف الأناجيل في التفاصيل لا يلزم منه الاختلاق. ومن أراد الحكم فعليه أن يقرأ عرض الطرفين.
