مقدمة تمهيدية
تعدّ العقيقة من السنن المؤكدة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، والتي تكاد تكون من السنن التي غفلت عنها أكثر الأسر، وحلت محلها أحياناً بعض العادات أو الممارسات. وفي كتاب «أحكام العقيقة»، يضع الدكتور حسام الدين بن موسى عفانة بين أيدينا دراسة فقهية تأصيلية مقارنة، تستقصي الأدلة من السنة النبوية وأقوال الأئمة والفقهاء، لتعيد إحياء هذه السنة وبيان أحكامها التفصيلية للمسلم.

أولاً: التعريف اللغوي والاصطلاحي
لغةً: مأخوذة من “العَقّ”، وهو الشق؛ وسمي شعر المولود “عقيقة” لأنه يشق الجلد ويخرج به، ثم أُطلقت الذبيحة مجازاً على ما يذبح عن المولود لشق حلقومها ومريئها.

اصطلاحاً: هي الذبيحة التي تُذبح عن المولود يوم سابعه شكراً لله تعالى على نعمة المولود، ذكراً كان أو أنثى.

ثانياً: مشروعيتها والحكمة منها
ثبتت مشروعية العقيقة بالأحاديث النبوية القولية الصحيحة (كحديث سلمان بن عامر، وسمرة بن جندب، وأم كرز)، وبالفعل النبوي (حيث عقّ النبي ﷺ عن الحسن والحسين رضي الله عنهما).

حكمة التشريع:

إظهار الشكر لله تعالى على نعمة الولد والذرية.

فداء المولود وتخليصه من حبس الشيطان وأسره (تحقيقاً لمعنى الارتهان في قول النبي ﷺ: «كل غلام رهينة بعقيقته»).

إعلان الفرح والسرور وتوطيد روابط المحبة والتكافل الاجتماعي بين الأهل والجيران والفقراء.

ثالثاً: حكم العقيقة في الفقه الإسلامي
اختلف الفقهاء في حكمها على ثلاثة أقوال رئيسية، والراجح منها مذهب الجمهور:

جمهور الفقهاء (الشافعية، المالكية، والمشهور عند الحنابلة وجمهور السلف): ذهبوا إلى أنها سنة مؤكدة وليست فرضاً واجباً. وهو القول الراجح لصارف الأمر في قوله صلى الله عليه وسلم: «من ولد له ولد فأحب أن ينسك عنه فلينسك»، حيث عُلِّق الأمر على المحبة والاختيار.

الظاهرية (وابن حزم) والحسن البصري: ذهبوا إلى وجوبها.

الحنفية: اختلفت رواياتهم بين التطوع، أو الإباحة، أو أنها منسوخة بالأضحية (وهو قول ضعيف مردود).

رابعاً: شروط العقيقة وما يجزئ فيها
تأخذ العقيقة أحكام الأضحية والهدي في الجملة، وضوابطها كالتالي:

النوع: تشترط جمهور الفقهاء أن تكون من الأنعام (الضأن، المعز، الإبل، البقر). وخالف ابن حزم فقصرها على الضأن والمعز فقط.

السلامة من العيوب: تُشترط سلامتها من العيوب المانعة في الأضحية (العرجاء البين عرجها، العوراء البين عورها، المريضة، العجفاء الهزيلة، العمياء، الكسيرة).

السن المعتبر: يشترط بلوغها السن المعتبر شرعاً في الأضاحي (جذعة الضأن، وثنية المعز والبقر، وتفصيل الإبل).

تفضيل الذكر على الأنثى: ذهب الجمهور إلى أنه يستحب عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة واحدة، استناداً لأحاديث أم كرز وعائشة الصحيحة.

خامساً: أحكام الذبح والتصرف في اللحم والعظام
أفضلية الذبح على الصدقة بالثمن: اتفق العلماء على أن إراقة الدم وذبح العقيقة أفضل من التصدق بثمنها، لما في ذلك من إحياء السنة وإظهار النسك، واستحب الإمام أحمد للمعسر أن يستقرض لذبحها إن تيسر له.

الاشتراك في البدنة أو البقرة: ذهب الشافعية إلى جواز الاشتراك في البقرة أو البدنة عن سبعة (سواء للعقيقة أو للحم)، بينما منع الحنابلة والمالكية ذلك ورأوا أن رأس الأنعام الكبيرة لا يجزئ إلا عن مولود واحد.

التوزيع والطبخ: توزع العقيقة أثلاثاً (لأهل البيت، للصدقة، للهدية)، ويستحب طبخها وإرسالها مطبوخة للجيران والفقراء لكفاية مؤونتهم وإدخال السرور عليهم.

كسر العظام: استحب الشافعية والحنابلة تقطيعها على المفاصل دون كسر عظامها تفاؤلاً بسلامة أعضاء المولود، بينما استحب مالك وابن حزم كسرها لمخالفة عادات أهل الجاهلية؛ والأمر في ذلك واسع.

تلطيخ رأس المولود بالدم: أجمع الجمهور على كراهية تلطيخ رأس المولود بدم العقيقة وأن ذلك من عمل الجاهلية المنسوخ، ويُستبدل به تحنيكه أو تطييب رأسه بالزعفران (الخلوف).

سادساً: وقت العقيقة والفروع المتعلقة به
اليوم السابع: اتفق الفقهاء على أن اليوم السابع من الولادة هو الوقت المستحب والمشروع للذبح.

القضاء والتأخير: إن لم يتيسر في اليوم السابع، جاز ذبحها في اليوم الرابع عشر، أو الحادي والعشرين، أو في أي وقت بعدها دون تفويت لأصل السنة.

الذبح قبل أو بعد الموت: أجاز الشافعية والحنابلة العقيقة عمن مات صغيراً أو كبيراً، واستحب عطاء والحسن البصري لمن لم يُعق عنه صغيراً أن يعق عن نفسه إذا بلغ.

التسمية والنية: تجب التسمية عند الذبح، وينوي الذابح قائلاً: «بسم الله والله أكبر، اللهم لك وإليك، هذه عقيقة فلان».

خاتمة
يُعدّ كتاب «أحكام العقيقة» دليلاً عملياً وفقهياً متكاملاً لكل أب وأم يرغبان في تطبيق هذه السنة النبوية على وجهها الصحيح، بعيداً عن البدع والعادات الجاهلية، بما يحقق مقاصد الشريعة في شكر النعمة وتوثيق أواصر التكافل الاجتماعي.

صُنّف ضمن:

الفقه وأصوله،

آخر تحديث: 02/11/2026