خلاصة كتاب «الاستقامة» لشيخ الإسلام ابن تيمية (ت 728هـ) ·

تحقيق د. محمد رشاد سالم ·

جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، في جزأين

قلّما تُقرأ الكتب القديمة بوصفها أجوبة عن أسئلة اليوم، غير أن «الاستقامة» من هذا الصنف النادر. فهو لا يعرض مسألة واحدة، وإنما يقدّم طريقة في النظر: كيف يتحقق المرء من أن ما يتديّن به هو الدين فعلًا، وكيف يمنع حماسه لطريقته من أن يتحول إلى بغي على مخالفيه. وقد كتبه ابن تيمية في صورة «قاعدة» موسّعة تتفرع إلى فصول، فتتنقل من العقيدة إلى الفقه إلى التصوف إلى الأمر بالمعروف، وفي كل موضع يعود إلى سؤال واحد: أين تقع الاستقامة بين الزيادة والنقصان؟

الفكرة المركزية: كمال الشريعة وكفايتها
يفتتح المؤلف بقاعدة في وجوب الاستقامة والاعتدال ومتابعة الكتاب والسنة في الأسماء والصفات والتوحيد وسائر الدين. وحجته أن الله أكمل الدين، وأن الرسول ﷺ عرّف الأمة كل ما تحتاج إليه، وأن الضلال لا يأتي من نقص في الوحي بل من «ترك بعض الحق وأخذ بعض الباطل»، ومن كتمان الحق ولبسه بالباطل.
ومن هنا ينتقد ما يسميه «الرأي المحدث» في أربعة ميادين: الكلام المحدث في الأصول، والرأي المحدث في الفقه، والتعبد المحدث كبعض صور التصوف، والسياسة المحدثة. ويظهر في هذا القسم أن الذي يزعجه هو ادعاء الحاجة إلى مصدر موازٍ للنصوص يحتاج الدين إليه ليكتمل، وليس مجرد الاجتهاد.
في الفقه: طريق الوسط.

يرسم ابن تيمية ثلاثة مواقف من النصوص والرأي:
• أهل الرأي الذين يقلّلون من حضور النصوص ويجعلون العمدة على القياس والتفريع.
• أهل الظاهر (ومثّل لهم بابن حزم) الذين يدّعون أن النصوص تستوعب الحوادث بألفاظها وحدها.
• فقهاء الحديث، وهم عنده الوسط، يثبتون النصوص والآثار ويستعملون قياس العلة والقياس في معنى الأصل ودلالة فحوى الخطاب، لأن ذلك كله من دلالات اللفظ.
ويجيب عن الظن بأن النصوص لا تفي بالحوادث من ثلاثة وجوه. أولها أن كثيرًا من «الفروع المولَّدة» لا يقع أصلًا، فلا يلزم أن تدل عليه النصوص. وثانيها أن بعضها مبني على أصول فاسدة، فإذا سقط الأصل سقط ما تفرع عنه، ويورد في ذلك تشبيهًا منقولًا عن الإمام ابن قدامة المقدسي: كمن بنى دارًا حسنة على أساس مغصوب، فلما نازعه صاحب الأساس وقلعه انهدمت الدار. وثالثها أن النصوص، لمن تحرّى واستعمل «جوامع الكلم» التي بُعث بها النبي ﷺ، تدل على عامة الفروع الواقعة، وقد جرّب ذلك بنفسه في الفتيا.

الخلاف والافتراق: جذره البغي
من أنفع فصول الكتاب فصلٌ في اختلاف المؤمنين في الأصول والفروع. يرى فيه أن أصل المحرَّم في هذا الباب هو البغي، مستشهدًا بقوله تعالى: «وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيًا بينهم».
ويلفت إلى مفارقة مؤلمة: أن أشد الطوائف انتسابًا إلى السنة قد تخلط بين السنة والبدعة، فتسمّي ما ذمّه أئمتها بدعةً سنةً، وتسمّي السنة بدعة، ثم تعادي بذلك طريق أئمتها. ويستحضر في هذا قوله ﷺ: «ألا ترون كيف يصرف الله عني سبّ قريش، يسبّون مذمَّمًا وأنا محمد»، ليبيّن أن من يلعن المبتدعة قد تقع اللعنة عليه هو إن كان هو المبتدع. وعنده أن أول من ضل في هذا الباب الخوارج، حين حكموا لأنفسهم بأنهم المتمسكون بالكتاب والسنة وأن غيرهم أهل بدعة، فاستحلوا من المسلمين ما استحلوا.

نقد الكلام وطرائق المتكلمين
يخصص المؤلف مساحة واسعة لنقد علم الكلام والفلسفة في الإلهيات. يرى أن المعتزلة، ومن تابعهم من الأشاعرة، عظّموا ما سمّوه «أصول الدين» حتى جعلوا مسائله قطعية، وأوهنوا الفقه فجعلوه ظنونًا، وبنوا على ذلك أصولًا تسربت إلى الفقهاء والصوفية وبعض أهل الحديث وهم لا يعلمون مآلها.
ويستشهد على ضعف هذه الطرائق باعترافات أهلها: فالفلاسفة الأوائل قالوا إن العلم الإلهي لا سبيل فيه إلى اليقين وإنما يُتكلم فيه بالأولى والأحرى، وكبار المتكلمين رجعوا في آخر أمرهم أو تابوا، ويذكر مقالة للغزالي في «الإحياء» عن غلو الناس وإسرافهم في أمر الجدل والكلام. وعنده أن القرآن نبّه على الأدلة العقلية بالأمثال المضروبة، وأن في ذلك غنى عن الطرائق المحدثة.
ثم يعرّج على مسائل مفصّلة في الصفات، كلفظ «الحركة» في حديث النزول والخلاف بين من أثبته ومن نفاه، ويبيّن أن المنصوص عن الإمام أحمد إنكار نفي ذلك، وأنه لم يثبت عنه إثبات اللفظ نفسه. وقد يجد القارئ غير المتخصص هذا الجزء أثقل أجزاء الكتاب، وهو لب الجدل الكلامي في عصره.

الحوار مع «رسالة القشيري»: نقد التصوف من داخله
يتخذ ابن تيمية «الرسالة القشيرية» محورًا لجزء كبير من الكتاب، فيقف عند عباراتها فصلًا فصلًا. وطريقته هنا لافتة: فهو لا يرفض التصوف جملة، بل يفرّق بين المأثور الصحيح عن كبار المشايخ كالفضيل بن عياض ومعروف الكرخي والجنيد، وهو عنده موافق لطريقة السلف، وبين ما دخل على الطريق من ألفاظ مجملة وحكايات بلا إسناد. ومن أمثلة منهجه:
• التثبت من النقل: حين يورد القشيري عن ابن عطاء أن «الحروف مخلوقة»، يردّ ابن تيمية بأن الحكاية لا إسناد لها ولا تقوم بمثلها حجة في أصول الدين، مع ما عُلم من كثرة الكذب على المشايخ.
• السماع: يبيّن أن قول بعضهم إن «اللام» في «القول» من قوله تعالى «يستمعون القول فيتبعون أحسنه» تفيد العموم فيدخل فيها كل سماع، غلط باتفاق الأمة؛ إذ ليس كل قول يجوز استماعه.
• محبة الجمال: ينطلق من حديث «إن الله جميل يحب الجمال» ليقرر أن حسن الثياب والنظافة مما يحبه الله، وأن الكبر هو «بطر الحق وغمط الناس»، فلا تعارض بين الزينة المباحة والتواضع.
• الغيرة: يوازن بين تعريف القشيري لها بأنها كراهة مشاركة الغير، وبين مفهومها الشرعي، فيراه أعم من وجه وأخص من وجه؛ فالغيرة المحمودة هي غيرة الله من الفواحش ما ظهر منها وما بطن، والمؤمن يوافق ربه في حب ما أحب وكره ما كره.
• الرضا: عند قول أبي سليمان الداراني إن الرضا ألا تسأل الله الجنة ولا تستعيذ به من النار، يسأل أولًا عن ثبوته إسنادًا، ثم عن صحته معنى. وبهذا يطبق قاعدته في كل باب: ثبوت النقل أولًا، ثم سلامة المعنى.
الفناء والسكر: التمييز بين المقامات
من أدق ما في الكتاب تقسيمه للفناء، وهو لفظ كثير الدوران في كلام الصوفية، إلى ثلاثة أقسام:
1. فناء كامل للسابقين، وهو الفناء عن عبادة ما سوى الله والاستعانة به، فلا يُعبد إلا الله ولا يُستعان إلا به، «وهذا هو دين الإسلام».
2. فناء ناقص لأصحاب اليمين، وهو الغيبة عن شهود ما سوى الله بسبب غلبة المحبة، وصاحبه إن لم يترك واجبًا أو يفعل محرمًا لم يضره، وإن ترك واجبًا وهو قادر على العلم والعمل فهو مؤاخذ.
3. فناء الكافرين، وهو جعل وجود الأشياء عين وجود الحق، وهو باب القول بوحدة الوجود.
ويبني على ذلك فصلًا في السكر وأسبابه وأحكامه، فيقرر أن اللذة والسرور مطلوبان لكل حي ولا يُذمان لذاتهما، وإنما يُذمّ ما أعقب ألمًا أعظم. ثم يحلل السكر إلى عنصرين: وجودي هو اللذة، وعدمي هو زوال العقل، ويبيّن أن زوال العقل ليس مما يُحمد في الشرع بحال، وأن من أقوى أسبابه سماع الأصوات المريبة.
ثمرة الدين: الأمر بالمعروف والإخلاص والمتابعة
في الجزء الثاني ينتقل إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيجعله مما أنزل الله به كتبه وأرسل به رسله، ويبني على قسمة الرسالة إلى إخبار وإنشاء (التوحيد والقصص ثم الأمر والنهي والإباحة) ما يشبه خلاصة لفلسفة الشريعة.
ثم يضع أصلًا جامعًا: كل حسنة لا بد فيها من شرطين، أن يُراد بها وجه الله، وأن تكون موافقة للشريعة. ويستدل بحديث أول ثلاثة تُسعَّر بهم النار (القارئ والمجاهد والمتصدق ليقال)، ويرى أن الثلاثة في مقابل الصديق والشهيد والصالح؛ فبالإخلاص يصير العلم صدّيقية والقتال شهادة والصدقة صلاحًا. وبهذين الشرطين، الإخلاص والمتابعة، يعود في آخر الكتاب إلى مقصده الأول: الدين ما شرعه الله لا ما استحسنه الناس.
الإكراه والاستطاعة: رحمة الشريعة
يختم الكتاب بفصل في الإكراه وما يتعلق به، وهو تطبيق عملي لقاعدة التيسير. فيذكر أن الله قيّد الإيجاب بالاستطاعة، وساق نصوصًا من مثل: «اتقوا الله ما استطعتم»، و«إن هذا الدين يسر»، و«لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها»، وأحكام الاضطرار، ورفع الإثم عن المستضعفين. ثم ينزّل ذلك على صور من المكرَهين، منها المكرَهة على الفاحشة، ويفرّق بين من يفعل كارهًا تمام الكراهة فلا يستحق العقوبة، ومن اجتمعت فيه الرهبة والرغبة.
ما الذي يمكن أن يأخذه القارئ اليوم؟
• المعيار قبل المعركة. قبل أن تتهم غيرك بالبدعة، تحقق من أنك تفرّق فعلًا بين السنة والبدعة، فكثيرًا ما يقع من يذم البدعة فيما ذمّه.
• الاعتدال ليس وسطًا حسابيًا. الاستقامة عند ابن تيمية هي لزوم ما جاءت به النصوص، وهي تقع بين طرفين: من يزيد على الدين ومن ينقص منه.
• ثبوت النقل قبل بناء الحكم. حكاية بلا إسناد لا تصلح أساسًا لعقيدة، وهذا درس منهجي يصلح لزمن الأخبار المتداولة بلا مصدر.
• الإخلاص والمتابعة جناحان. عمل صادق النية مخالف للشرع مردود، وعمل موافق للشرع بنية الرياء مردود كذلك.
• التيسير جزء من الدين. الشريعة مقيَّدة بالاستطاعة، وإيجاب ما لا يُطاق ليس من الاستقامة.
كلمة أخيرة عن القراءة
الكتاب جدلي بطبعه، كُتب في سياق ردود وخلافات محددة، وفيه نقد جاد لمدارس كلامية وفقهية وصوفية يرى أصحابها أنفسهم على الحق، ويبقى في الكتاب ما يتجاوز زمنه: دعوة إلى أن تُوزن الأقوال بميزان الوحي، وأن يُوزن المرء نفسه قبل أن يزن غيره.

ملاحظة: هذه الخلاصة أُعدّت مختصرة وتغطي محاوره الكبرى وفصوله الرئيسة، ولا تغني عن قراءة النص الكامل، لا سيما فصول الصفات والتصوف التفصيلية.

صُنّف ضمن:

عام،

آخر تحديث: 02/11/2026