خلاصة كتاب «الإمام المازري» · حسن حسني عبد الوهاب (ت 1388هـ) · سلسلة «نوابغ المغرب العربي» (1) · دار الكتب الشرقية، تونس
كتب المؤرّخ التونسي حسن حسني عبد الوهاب هذه الدراسة بمناسبة مرور ثمانمائة عام على وفاة المازري، وصدرت سنة 1955م عن لجنة البعث الثقافي الإفريقي بوصفها الحلقة الأولى من مشروع للتعريف بأعلام المغرب العربي. والكتاب صغير الحجم (نحو مائة صفحة)، لكنه لا يكتفي بترجمة رجل: فهو يقدّم لها ببحث عن تسلسل السند العلمي بإفريقية (تونس) من الفتح العربي إلى عصر المازري، ليبيّن أن هذا الإمام لم يكن نجمًا منفردًا، بل حلقة في سلسلة طويلة.
السياق: علم نشأ في القيروان وكاد ينتهي بنكبتها
يرسم المؤلف مسارًا من الطبقات:
- النشأة: ظهر علم الشريعة في إفريقية، وخاصة القيروان، على يد الصحابة والتابعين الوافدين مع الفتوح، ثم تلقاه عنهم ناشئة العرب وأبناء الأفارقة والبربر.
- الطبقة الثانية في عهد الأغالبة: مدرسة تجمع أقوال المجتهدين وتبوّبها، ومن أبرزها أسد بن الفرات الذي ألّف «الأسدية» وكان يُقرئ مذهبي أهل المدينة وأهل العراق بالسوية، لأن المذاهب لم تكن قد تعيّنت بعد، واستشهد في فتح صقلية سنة 213هـ.
- المدرسة المالكية: يعدّ المؤلف سحنون بن سعيد المؤسس الأول للفقه المالكي في إفريقية والمغرب، وقد جلس في حلقته مئات الطلاب، وولي القضاء فوضع أنظمة استمرت قرونًا، كأحكام السوق ونظام قضاة الآفاق وتعيين أئمة المساجد، ومنع حلق أهل الأهواء من مسجد عقبة.
- المحنة الكبرى: بعد قيام الفاطميين ضيّقوا على علماء أهل السنة، ثم استقل المعز بن باديس وحمل الناس على مذهب مالك، فردّ الفاطميون بإطلاق قبائل بني هلال وبني سليم، فسقطت القيروان سنة 449هـ، وتفرّق أهلها، ولجأ العلم إلى المهدية وسوسة ومدن الساحل.
في هذا المنعطف بالذات يضع المؤلف المازري، ويصفه بأنه «العروة الوثقى» بين ماضٍ زاهر للتعاليم الشرعية وبين ما بعده، إذ جمع ما تبدّد من منهج السند القديم، ونقله إلى الأجيال اللاحقة.
من هو المازري؟
هو أبو عبد الله محمد بن علي بن عمر التميمي، نسبة إلى «مازرة» في صقلية. ولا تذكر المصادر مولده ولا نشأته الأولى، لكن المؤلف يرجّح أنه وُلد بإفريقية في منتصف القرن الخامس، وأن أباه هاجر من صقلية قبل استيلاء النرمان، ويستدل على ذلك بأنه مارس التعليم صغيرًا في الساحل التونسي ولم يُروَ أنه أخذ عن شيوخ بلد نسبته. تلقّى العلم عن أبي الحسن اللخمي (صاحب «التبصرة») وعبد الحميد الصائغ، واستقرّ في المهدية حيث تصدر للتدريس في جامعها الكبير، فضمت حلقته المئات من إفريقية والمغرب والأندلس.
شيوخ وتلاميذ ومراسلون
تتلمذ على المازري من الفقهاء والمحدثين والقرّاء من الأقطار المختلفة. ومن أشهر الوافدين عليه محمد بن تومرت مؤسس دولة الموحدين، وابن العربي الإشبيلي، وقد أثنى عليه في رحلته، وابن صاعد اللبلي. وكان علماء آخرون يطلبون إجازته مراسلةً منهم ابن رشد الحفيد والقاضي عياض، وهذا ما أخذ منه لقب «الإمام» حتى صار لا يُعرف إلا به. وينقل المؤلف رواية عن ابن فرحون في سبب التسمية من رؤيا رآها المازري، مع التنبيه إلى أنها تشهد بما اشتهر به من سعة العلم في الفتيا.
ومن النوادر التي ينقلها الكتاب أن طالبًا أندلسيًا رأى شُعاع الشمس يدخل من كوّة فيقع على رجل الشيخ، فقال المازري كلمةً موزونة فأتمّها الطالب شعرًا؛ وهي صورة تكشف جوّ المجلس ومكانة الشيخ في قلوب تلاميذه.
الورع في الفتوى
من ألطف ما ينقله المؤلف عن المازري عندما شُهد له ببلوغ رتبة الاجتهاد أنه قال ما معناه: ما أفتيت قط بغير المشهور من المذهب. وعلّل ذلك بقلّة الورع وكثرة المدّعين للعلم والمتجاسرين على الفتوى، وقال إنه لو فُتح لهم باب مخالفة المشهور لاتسع الخرق على الراقع. فهو مجتهد المكانة، لكنه يقيّد نفسه احترازًا من فتح باب الفوضى الفقهية. وهذا يرسم ملمحاً من ملامح شخصيته: علمٌ واسع، ومسؤولية أكبر.
ويصفه القاضي عياض، كما ينقل المؤلف، بأنه إمام إفريقية وما وراءها، وأنه لم يكن في عصره أفقه منه من المالكية، مع اطلاعه على الحديث وعلى علوم كالطب والحساب والآداب، مع حسن خلق وحلاوة مجلس.
مؤلفاته
- «المُعْلِم بفوائد مسلم»: أول شرح لصحيح مسلم، ونشأ من إملاءات ألقاها في مجلس قُرئ فيه الصحيح في رمضان، ثم هذّبها بطلب من أصحابه. وقد أكمله القاضي عياض في «إكمال المعلم»، واشتمل على مسائل في أصول الكلام والنظم الإسلامية والاجتهاد والإمامة.
- «إيضاح المحصول من برهان الأصول»: شرح لبرهان إمام الحرمين الجويني، ويصفه المؤلف بأنه من أهم ما صنّف في أصول الفقه وأقدم ما شُرح به البرهان.
- «المعين على التلقين»: شرح لكتاب القاضي عبد الوهاب المالكي، يقال إنه في نحو ثلاثين جزئًا.
- «نظم الفرائد في علم العقائد»: من أجل مصنفاته، لكن المؤلف لم يقف على نسخة منه.
- تعليق على «المدونة» وأمالٍ على أحاديث الجوزقي من مسند مسلم.
- «الكشف والإنباء على الإحياء»: نقد لأحاديث «إحياء علوم الدين». ويؤكد المؤلف أن هذا النقد لا تحامل فيه، إذ نقل عن المازري شهادته للغزالي بالسبق في العلم وأصول الدين، وأن المقصود تنقية الكتاب من الموضوع.
ويشير المؤلف إلى أن اهتمامه لم يقتصر على العلوم الشرعية، بل شمل الفلسفة والآداب والرياضيات.
نموذج من فتاواه
يسوق المؤلف مثالًا على منهجه في الفتوى: سؤال عن قوم في سوسة والمنستير يجتمعون ليلًا ويمشون على السور بالقناديل ويردّدون الذكر بتطريب وتحزين جماعيّين. فيجيب المازري بأن العلماء أنكروا ذلك وعدّوه بدعة، مستدلًّا بالحديث المشهور في لزوم السنة وحذر المحدثات، وبأن الصحابة مع شدة العبادة لم يفعلوا ذلك. وهذا النموذج يبيّن أن المازري كان يبني فتواه على الأدلة وعلى ما جرى عليه السلف لا على الاستحسان المجرّد.
إنسانية العالم: مهاجرو صقلية
يفرد الكتاب فصلًا لهجرة الصقليين إلى إفريقية بعد استيلاء النرمان على الجزيرة، ويقدّر أن عدد اللاجئين لا يقل عن خمسين ألفًا في خمسين سنة، منهم علماء وأدباء كابن حمديس. وكان المازري يكرم الوافدين منهم، فيوسّع على الفقير وينصح الميسور، وله فتوى فريدة في إعذار أهل صقلية عن مغادرة بلادهم. وهذا الموضع يكشف جانبًا إنسانيًا لا تكشفه عناوين مؤلفاته.
ثلاثة مازريين: رفع التباس
من فوائد الكتاب فصلٌ يميّز بين ثلاثة علماء يحملون نفس النسبة والكنية (أبو عبد الله المازري) فاختلطت سيرهم على كثيرين: محمد بن أبي الفرج الذكي (ت 516هـ بأصبهان)، ومحمد بن مسلم القرشي (ت 530هـ بالإسكندرية)، ثم صاحب هذه الترجمة محمد بن علي التميمي. وهذه المتعة المنهجية درسٌ في ضرورة التحقق من الاسم قبل نسبة المؤلفات والأقوال.
الوفاة والضريح
عاش المازري ثلاثًا وثمانين سنة، وتوفي بالمهدية يوم السبت 8 ربيع الأول سنة 536هـ (1141م). نُقل جثمانه في الغد بالقارب إلى المنستير ودُفن في جنازة حافلة، ثم نُقل رفاته سنة 1176هـ (1763م) إلى المقام القائم اليوم في مقبرة المنستير حين خُشي عليه من البحر، بأمر علي باي الثاني.
ما الذي يبقى من هذا الكتاب؟
- العالم ابن سنده: لا تُفهم شخصية كالمازري بمعزل عن سلسلة من الشيوخ والمدارس سبقته.
- العلم حامل للحضارة حتى في المحن: حمل المازري العلم بعد سقوط القيروان إلى مدن الساحل، ومنها انتشر إلى المغرب والأندلس.
- النقد من موضع المحبة لا التنقيص: نقد المازري للإحياء يجمع بين الصرامة العلمية والإنصاف.
- الفتوى مسؤولية: تقيّد المجتهد بالمشهور من مذهبه خشية تجاسر غير أهل العلم.
- التحقق قبل النسبة: درس المازريين الثلاثة درس في الدقة المنهجية.
كلمة أخيرة
هذا الكتاب من النوع الذي يعيد للعالم إطاره التاريخي والإنساني، فلا يعتمد على المديح وحده، بل يجمع النصوص والنوادر والمؤلفات، ويربطها بسياق حضاري مضطرب. ولمن أراد التوسع ففي هوامشه مصادر كثيرة منها «الديباج المذهب» لابن فرحون و«معيار» الونشريسي، كما توجد مجموعة محقّقة من «فتاوى المازري»
