عرض كتاب «الأسلوب» لأحمد الشايب: نحو منهج جديد في البلاغة العربية والنقد الأدبي
1. المقدمة والتوجه المنهجي الجديد
يطرح الكاتب أ. أحمد الشايب في كتابه «الأسلوب» رؤية نقدية جذرية لتجديد علم البلاغة العربية. يرى المؤلف أن الدراسات البلاغية التقليدية عند المتقدمين انحصرت في ثلاثة علوم رئيسية: المعاني، والبيان، والبديع؛ وهي دراسات تركز على الجملة المنفصلة أو الصورة البسيطة (تشبيه، مجاز، كناية)، وهي بحسب نظره قاصرة عن مواكبة تطور الأدب الإنشائي وفنونه المتنوعة. لذا، يدعو الشايب إلى وضع منهج بلاغي جديد ينتظم في بابين رئيسيين:
-
باب الأسلوب: ويعنى بدراسة الحروف، والكلمات، والجمل، والصور، والفقرات، والعبارات وفق علوم الصوت والنفس والموسيقى.
-
باب الفنون الأدبية (الابتكار): ويعنى بدراسة مادة الكلام وتنسيقها بما يناسب الأجناس الأدبية المختلفة.
2. العلوم الأدبية وصلتها بالبلاغة
يؤكد الكتاب على أن الأديب لا يستغني عن الإلمام بالعلوم الأدبية المساعدة لضمان سلامة التعبير، وهي:
-
اللغة (متناً وفقهاً): لمعرفة دلالات الألفاظ وتاريخ نشأتها وتطورها.
-
النالصرف: للتصرف في الكلمات واشتقاق المشتقات.
-
النحو: لتصحيح التراكيب وضبط منطق المعاني وسلاسة العبارات (باعتباره يضمن الصحة النحوية التي تسبق البلاغة والجمال).
-
العروض: باعتباره المقياس الموسيقي المنظم لوزن الشعر وقوافيه.
3. التعريف بالبلاغة ومفهوم “المطابقة”
-
المفهوم الاصطلاحي: البلاغة هي مطابقة الكلام لمقتضى الحال، وحال المخاطب يحدد طريقة الأداء (فخطاب الذكي يختلف عن الغبي، والمتردد عن الموقن).
-
البلاغة وعلم النفس: يربط المؤلف بين البلاغة ومواهب النفس الإنسانية الثلاث:
-
قوة الإدراك (العقل): ويلائمها النثر العلمي والفلسفي القائم على إقناع العقل بالبرهان.
-
قوة الانفعال (العوجدان): ويلائمها الشعر والنثر الأدبي الذي يستجيش الشعور والخيال.
-
قوة الإرادة (العمل): ويلائمها فن الخطابة الذي يجمع بين الإقناع والتأثير لدفع الإنسان نحو الفعل.
-
4. العلوم الممهدة للبلاغة (النحو والمنطق)
-
النحو: يحقق الصواب اللفظي وسلامة التراكيب (الصحة النحوية)، بينما تتولى البلاغة تحقيق الجمال والملائمة (المطابقة).
-
المنطق: يعلم طرق التفكير الصحيح وصحة الأفكار، بينما تقوم البلاغة بعرض هذه الأفكار عرضاً واضحاً قوياً ملائماً للمخاطبين.
5. تعريف الأسلوب وتكوينه وعناصره
-
تعريف الأسلوب: هو طريقة التعبير، أو طريقة التفكير والتصوير والأداء اللفظي للتعبير عن المعاني بقصد الإيضاح والتأثير.
-
عناصر الأسلوب الأدبي: يتألف الأسلوب الأدبي من عناصر أساسية هي: الأفكار، العبارات، الصور الخيالية (البيانية)، والعاطفة (التي تعد الروح الدافع للعمل الأدبي).
-
تكوين الأسلوب: يبدأ الطالب المبتدئ من الألفاظ والجمل صعوداً إلى الفنون، بينما يبدأ الأديب المنتهي باختيار الفن والمعنى ثم يصوغ له الألفاظ والعبارات المناسبة.
6. الأسلوب والموضوع (العلمي والأدبي والشعري)
-
الأسلوب العلمي: لغة العقل؛ غايته التعليم ونشر المعارف والحقائق المجردة بدقة وتحديد بعيداً عن طغيان العاطفة.
-
الأسلوب الأدبي: لغة العاطفة؛ يجمع بين الإفادة والتأثير، ويعتمد على الخيال والصنعة والموسيقى لإثارة الانفعال.
-
أسلوب الشعر: يشترك مع النثر الأدبي في غاية التأثير، ويتميز عنه بخصائص شكلية وفنية أبرزها: الوزن (التفاعيل)، القافية، اختيار الألفاظ ذات الجرس الصوتي والموسيقي، الجوازات والضرورات الشعرية، والإيجاز.
-
اختلاف أساليب الشعر: يتنوع أسلوب الشعر تبعاً لتنوع الانفعالات والموضوعات (مثل: حماسة، نسيب/غزل، رثاء، مدح، هجاء، ووصف).
-
اختلاف أساليب النثر: يتفرع النثر إلى علمي (المقالة، التاريخ، السيرة، المناظرة، التأليف) وأدبي (الوصف، الرواية، المقامة، الرسالة، الخطابة)، ولكل فن أصوله الهيكلية وأسلوبه اللفظي الخاص.
7. الأسلوب والشخصية (أثر الأديب)
-
يقرر المؤلف صحة المقولة: «الأسلوب هو الأديب»، إذ تنعكس شخصية الكاتب أو الشاعر بوضوح على أثره الأدبي من خلال عناصر عدة: الطبع، البيئة، الثقافة والتربية، والابتكار.
-
تتجلى شخصية الأدباء في تباين أساليبهم في التفكير والتعبير، وقد ضرب المؤلف أمثلة واضحة بالفروق الأسلوبية والشخصية بين عمالقة الأدب والخطابة (مثل المقارنة بين أبي تمام والبحتري والمتنبي، أو بين علي بن أبي طالب ومعاوية وزياد، أو بين الجاحظ وبديع الزمان وابن خلدون).
8. صفات الأسلوب (المطابقة والإيجاز والصنعة)
-
المطابقة بين اللفظ والمعنى: الأسلوب المثالي هو ما طابق فيه اللفظ المعنى مطابقة تامة بلا تكلف (الأسلوب المطبوع)، مقابل الأسلوب المصنوع الذي قد يجنح إلى العناية باللفظ وحده أو المعنى وحده.
-
الإيجاز والإطناب والمساواة: طرق أدبية تعبر عن حجم العبارة مقارنة بمدلولها المعنوي وفقاً لمقتضى الحال والغرض البلاغي.
-
الصنعة البديعية: استخدام المحسنات (كالطباق، والجناس، والسجع) بقصد تحسين الأسلوب وزخرفته، شريطة ألا تتحول إلى تكلف ممقوت يطغى على جوهر المعنى.
